اخبار الإرادة بين الفلسفة والتصوف .. لا كما تظهر بل كما هي [ 1 ]

الإرادة بين الفلسفة والتصوف .. لا كما تظهر بل كما هي [ 1 ]

ما الذي نريده فعلا؟
الإرادة، ذلك الخيط الخفي الذي يحرك أفعالنا ويشكل مصائرنا، تبدو للوهلة الأولى مفهومة: نريد شيئا، فنسعى إليه. غير أن هذه البساطة تنهار ما إن نتوقف لنسأل بجدية: هل ما نريده هو ما نريده حقا؟ أم أن ما نعتقد أنه إرادتنا ما هو إلا صدى لرغبات لا نعرف مصدرها؟
في الفلسفة، خضعت الإرادة لتشريح طويل، منذ أفلاطون الذي رأى النفس مكونة من ثلاث قوى (العقل، الغضب، والشهوة) تتنازع في توجيه القرار، إلى نيتشه الذي رأى الإرادة على أنها إرادة القوة، تدفعنا لفرض ذواتنا على العالم، وصولا إلى سارتر الذي جعل من الحرية لعنة، حين ألقى على الإنسان مسؤولية مطلقة عن كل ما يختاره، وما يختار أن لا يختاره.
أما في التصوف، فالإرادة ليست حرية مطلقة، بل الإرادة تعني الهدف أو الغاية التي يريدها المريد خلال سفره إلى الله ، يتدرج فيه حتى ينقى من هوى النفس، ويتعلم كيف تكون إرادته متوافقة مع إرادة الله. الإرادة عند الصوفية ليست فقط ما نريد، بل كيف نريد، ولـم نريد. يقول الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي : الإرادة هي ترك الإرادة.
السؤال الصوفي الكبير ليس فقط: ماذا تريد؟ بل: هل نيتك نابعة من صفاء أم من ظلمة؟ هل طلبك للدنيا هو طلب للستر والعمل، أم للزينة والهوى؟ وهل اختيارك لما تختار، هو فعل وعي حر، أم انجراف وراء ما ظننته حرية وهو في جوهره استعباد خفي؟
نحن نعيش اليوم في زمن تحتفى فيه بالاختيار، لكن نادرا ما يسأل الإنسان: هل اخترت فعلا، أم تم اختيارك لتظن أنك اخترت؟
بين الفلسفة التي تشكك في مصدر الإرادة، والتصوف الذي يطهرها من شوائب النفس، نجد أن الإرادة ليست قرارا لحظيا، بل مسار طويل من الانتباه، والتأمل، والتزكية. وفي هذا السلسلة، سنسعى لفهم تلك الإرادة… لا كما تظهر، بل كما هي.
الإرادة عند أرسطو: عقلانية الأخلاق وسلوك الفضيلة
يرى أرسطو أن الإرادة ليست مجرد نزوة عاطفية أو دافع غامض، بل هي فعل عقلاني متعمد نابع من العقل العملي، الإرادة عنده تتشكل عندما يفكر الإنسان في بدائل الفعل، ويختار الأفضل منها بناء على معيار الفضيلة، لا مجرد اللذة أو المنفعة. وبهذا، ترتبط الإرادة ارتباطا وثيقا بالأخلاق، فهي التي تجعل الإنسان فاضلا، مسؤولا، ومهيأ للسعادة القصوى التي أسماها اليوذيمونيا. (كلمة يونانية قديمة تترجم عادة إلى السعادة أو الرخاء، ولكنها تحمل معنى أعمق في الفلسفة اليونانية القديمة، وخاصة في فلسفة أرسطو).
الإرادة عند أرسطو هي وسيلة لبناء الذات الأخلاقية. فكل قرار أخلاقي واع يساهم في ترسيخ عادة فاضلة. ومن هنا، فإن الإرادة تمارس تأثيرا مستمرا على تشكيل الطبع، عبر التكرار والاختيار السليم. الإرادة لا تلغي الرغبة، لكنها تهذبها وتنقيها من الإفراط والتفريط، لتقود إلى الاعتدال، الذي هو جوهر الفضيلة عند أرسطو.
لا مكان عند أرسطو لفكرة الفناء أو تجاوز العقل، بل يرى أن الإنسان يحقق كماله حين يفكر، ويختار، ويمارس الفضيلة بإرادته الحرة. فالعقل عنده هو ما يميز الإنسان عن الحيوان، والإرادة هي الآلية التي يفعل بها هذا التميز. لذلك، لا خلاص في نظره خارج العقل، ولا قداسة لإلغاء الإرادة.
الإرادة في التصوف: من إرادة النفس إلى إرادة الله
يرى الصوفية أن الإرادة هي أول منزلة في السير إلى الله، لكنها تختلف جذريا عن الإرادة الأرسطية. فليست الغاية هنا تحقيق السعادة الإنسانية، بل الفناء في المحبوب الإلهي. الإرادة بداية هي حركة القلب نحو الله، لكنها مشروطة بالتخلي عن هوى النفس، أي أن الإرادة تقوم لا بالعقل، بل بالإخلاص والتسليم.
بينما تصاغ الإرادة الأرسطية بالعقل والتفكير، تصاغ الإرادة الصوفية بـالمجاهدة والمكابدة والذوق، على المريد أن يخضع نفسه للتربية الروحية تحت إشراف الشيخ، حتى تزول عنه الإرادة النفسية ويتحول إلى عبد رباني، كما يقول الجنيد: المريد من لا إرادة له، أي من ترك اختياره الذاتي ليخضع لإرادة الله، لا إلغاء للحرية بل توجيها لها نحو المطلق.
الغاية القصوى في التصوف ليست تهذيب الإرادة، بل الذوبان فيها. فالمريد يسعى إلى أن يفنى عن إرادته في إرادة الله، لا كتحقير للذات بل كترق في مقام التوحيد. ومن هنا، تتحول الإرادة من أداة أخلاقية إلى وسيلة كشف، ومن سلوك فضيلة إلى مقام حضور. يقول ابن عطاء الله السكندري: ارْتقاء الهمة أن تترك ما دون الله.
أيهما أكثر عمقا؟
أ. مشروع أرسطو: الإنسان الكامل بالعقل
يمنحنا أرسطو نموذج الإنسان الذي يصنع نفسه بالإرادة والتفكير والفضيلة. رؤيته قوية من الناحية العملية والأخلاقية، وتصلح لبناء مجتمعات عادلة ومتوازنة. لكنها تقف عند حدود الدنيا، وتفترض أن العقل قادر على قيادة النفس دائما، وهو أمر يشكك فيه التصوف.
ب. مشروع التصوف: الإنسان الكامل بالفناء
يعرض التصوف صورة الإنسان الذي ينكر نفسه ليشهد الله. الإرادة هنا ليست أداة أخلاقية فحسب، بل وسيلة عبور إلى الحقيقة المطلقة. إنها طريق الوعي بالله، الذي لا يتحقق إلا بعد تربية النفس، وتطهير القلب، وتسليم الروح. على خلاف أرسطو، فإن التصوف لا يسعى إلى أن يتحكم الإنسان بذاته، بل إلى أن يتحرر من ذاته.
وفي النهاية، تلتقي الرؤيتان عند الاعتراف بأن الإنسان لا يولد كاملا، بل يكمل بالإرادة. لكن أرسطو يرى الكمال في السيطرة على النفس، بينما يرى الصوفي الكمال في تحرير النفس من النفس.
ربما يمكن القول إن الإرادة الأرسطية هي بوابة الأخلاق، أما الإرادة الصوفية فهي بوابة الأسرار. الفرق بينهما هو الفرق بين الفضيلة الإنسانية والعبودية المحضة، بين من يسعى إلى السعادة في الدنيا، ومن يسعى إلى وجه الله في كل حين… ودمتم

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع مشابهة