اخبار الإرادة بين الفلسفة والتصوف .. لا كما تظهر بل كما هي [ 4 ]

الإرادة بين الفلسفة والتصوف .. لا كما تظهر بل كما هي [ 4 ]

الإرادة عند هايدغر: القلق كصوت الوجود
في فلسفة مارتن هايدغر، لا تفهم الإرادة كما يفهمها التقليد الفلسفي العقلاني، كقوة داخلية تنتج الأفعال، بل يعيد هايدغر تعريف العلاقة بالوجود نفسه. فالإرادة ليست مشروعا للفعل، بل انكشاف لحقيقة الإنسان في الوجود في العالم. الإنسان (الدازاين Dasein) لا يريد بالمعنى التقني، بل هو ملقى في العالم، يجبر على مواجهة قلقه الوجودي.
وهنا تصبح الإرادة ليست سعيا نحو غاية خارجية، بل انفتاحا على دعوة الوجود. فالقلق – عند هايدغر – ليس اضطرابا نفسيا، بل صوت الكينونة الذي يدعونا لنكون ذواتنا الأصيلة.
الإنسان يعيش غالبا في ما يسميه هايدغر الوجود الزائف (الهم اليومي)، حيث تختفي حقيقته تحت ثقل الحياة العادية، والثرثرة، والانشغال. الإرادة الأصيلة تنبع عندما يستجيب الإنسان لقلقه بصدق، ويواجه موته، أي يدرك أنه كائن نحو الفناء.
وهنا يكمن جوهر الإرادة الأصيلة: ليست أن تريد بل أن تكون. أن تختار أن تعيش حياتك ككائن يفهم محدوديته، ويعيش بناء على نداء الكينونة، لا ضغوط المجتمع.
عند هايدغر، لا معنى للوجود بدون العدم. فالعدم ليس مجرد غياب، بل هو الشرط الضروري لانكشاف الكينونة. بهذا تصبح الإرادة فعلا وجوديا: هي القبول بالعدم لا الهروب منه. والإرادة الأصيلة هي القدرة على التصالح مع الموت بوصفه الحقيقة الأعمق للوجود.
الإرادة في التصوف: من العدم إلى الفناء في الله
في التصوف، كما عند هايدغر، لا تفهم الإرادة بوصفها مجرد قرار عقلي، بل هي استجابة لنداء أعلى. لكنها ليست نداء الوجود المجرد، بل نداء الله. القلق عند الصوفي ليس وجوديا فقط، بل روحي، لأنه يشعر بالغربة عن أصله الإلهي، وبهذا تصبح الإرادة حركة عميقة للرجوع إلى الحضرة الإلهية.
يقول ابن عطاء الله السكندري: أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.، فالإرادة الحقة عند الصوفي ليست في السيطرة، بل في التفويض والتسليم.
بينما يرى هايدغر أن الإنسان يجب أن يواجه الموت ليتحرر، يرى الصوفي أن الفناء الحقيقي ليس في العدم، بل في الله. الفناء في الله هو أن تزول إرادتك أمام إرادته، لكن دون أن تفقد وجودك، بل لتنتقل إلى البقاء بعد الفناء.
يقول اهل التصوف : الفناء هو أن تكون بإرادة الله لا بإرادتك. وهنا تظهر الإرادة الصوفية: ليست هروبا من العالم بل اندماجا بالمعنى الأعلى.
القلق عند هايدغر هو انكشاف لحقيقة الإنسان، وعند الصوفي هو حنين الوجود إلى مصدره. وكلاهما يؤديان إلى يقظة: عند هايدغر، هي صحوة نحو الأصالة؛ وعند الصوفي، هي يقظة القلب وسفر الروح.
من يريد أن يكون؟
أ. هايدغر: الإرادة طريق الأصالة
ميزة هايدغر هي أنه جعل الإرادة وسيلة لتحرير الذات من الزيف، وربطها بالزمانية والموت، فكانت دعوة للعيش الأصيل. لكنها تظل محدودة في دائرة الفرد، من دون إشارة إلى معنى أسمى للكون.
ب. التصوف: الإرادة طريق للرجوع إلى الله
أما التصوف، فرفع الإرادة إلى مقام العبودية الحرة: أنت حر، لأنك سلمت إرادتك للمحبوب. وهذا المعنى أعمق من الإرادة الأخلاقية أو الوجودية، لأنه يربط الكائن بخالقه، لا فقط بذاته.
بين هايدغر والصوفي: أي إرادة تخلصنا؟
إذا كان هايدغر يقول: كن ذاتك كما يجب أن تكون، فإن الصوفي يقول: كن بالله، تكن أصدق ذاتك.الفرق بينهما هو الفرق بين الوجود في الزمن، والوجود في الحضرة.
فالهايدغري يرى الخلاص في أصالة الذات، والصوفي يراه في ذوبان الذات في الذات العليا… ودمتم.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع مشابهة