الإرادة عند ابن رشد: العقل الفعال وميل النفس
يضع ابن رشد العقل في موقع مركزي لتفسير سلوك الإنسان، ويرى أن الإرادة ليست قوة مستقلة عن الفكر، بل هي تابعة للإدراك العقلي. فالفعل لا يحدث عند ابن رشد إلا إذا أدرك الإنسان منفعة الفعل أو ضرره، وميز الخير من الشر. ومن هنا، فإن الإرادة عنده هي ميْل النفس إلى ما حكم به العقل أنه خير. فالإنسان لا يريد شيئا إلا بعد أن يدرك على أنه مطلوب أو نافع.
يربط ابن رشد الإرادة بالمعرفة ربطا وثيقا، فكلما زاد علم الإنسان، زاد قدرته على الإرادة السليمة. ولهذا فإن الجاهل – في رأيه – لا يملك إرادة حرة بالمعنى الحقيقي، لأنه يجهل مآلات أفعاله. وهذا يفتح بابا للفهم الأخلاقي عند ابن رشد: الإرادة الخيرة لا تأتي إلا من تصور عقلي دقيق للخير. ولهذا قال: الاختيار إنما هو بين أشياء متخيلة، والعقل هو الذي يميز أيها الأجدر بالفعل.
في نظر ابن رشد، الإنسان مختار ضمن نظام كوني محكوم بالسببية. فكل فعل مسبوق بعلة، لكن داخل هذا النظام، هناك مساحة للاختيار تتيح للإنسان أن يختار بين البدائل. فالإرادة عنده ليست جبرا مطلقا ولا حرية مطلقة، بل حرية نسبية تحكمها المعرفة والعقل، وتمارس داخل شبكة من الأسباب.
الإرادة في التصوف: من علم العقل إلى إشراق القلب
في التصوف، الإرادة ليست مجرد استجابة عقلية للمنفعة، بل هي حركة روحية نابعة من الذوق والمعرفة القلبية. فالمريد لا يسعى لما يراه العقل نافعا فحسب، بل لما يشير إليه نور القلب. يقول مشايخ التصوف: من أراد الله، ترك ما سواه. فالإرادة هنا فعل حب، لا فعل مصلحة.
خلافا لابن رشد الذي يجعل الإرادة حصيلة عقلية، يرى الصوفي أن الإرادة لا تصفو إلا بالإخلاص والتسليم. فالصوفي لا يثق في عقله المجرد، بل يضعه في خدمة الرؤية الإلهية التي تتجلى في توجيه الشيخ أو إشراق القلب. وبهذا، فإن الإرادة الصوفية هي حرية بالإفناء، وليست حرية بالتمييز المنطقي.
كما يرى الصوفي أن العقل قد يضل، أما القلب فلا يخطئ إن صفا، وهذا يظهر الفرق في مصدر الإرادة بين الفيلسوف والصوفي: ابن رشد يرجعها إلى التمييز، والصوفي يرجعها إلى الإلهام.
من يربح المعركة: عقلانية ابن رشد أم إشراق التصوف؟
ما يحسب لابن رشد أنه أعاد بناء الإرادة على أسس عقلانية متينة. فهو لا يفصل الإرادة عن المسؤولية، ولا عن الحرية الأخلاقية. لكنها تظل مرتبطة بمحددات دنيوية – عقلية، نفعية، سببية – ولا تخترق حجب الغيب أو المعنى الباطني.
أما التصوف، فيجعل الإرادة جسرا إلى الله، لا إلى نفع دنيوي. الإرادة هنا ليست فقط فعلا عقلانيا، بل استجابة لعشق لا يقاس. الإرادة في التصوف هي مقام يرتقى إليه بعد المجاهدة، حيث لا يعود المريد يريد لنفسه شيئا، بل يريد ما يريده الله.
إذا كان ابن رشد يجعل الإرادة ميلا إلى ما يراه العقل خيرا، فإن الصوفي يجعلها انقيادا لما ينكشف في نور القلب. الفارق هنا هو فارق في المرجعية: ابن رشد يحتكم إلى الفكر، أما الصوفي فيحتكم إلى الذوق.
الفيلسوف يريد بعقله، والصوفي يريد بقلبه. الأول يرى الخير فيما ينفع، والثاني يرى الخير فيما يقرب… ودمتم.
